وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ عندما ننظر اليوم إلى ما يجري في مياه الخليج الفارسي، إلى مضيق هرمز الذي أصبح حديث العالم بأسره، لا بد أن نسترجع دروساً من الماضي، ولا بد أن نعود بالذاكرة إلى خريف عام 1973م، إلى حرب 6 أكتوبر 1973م، الموافق 10 رمضان 1393هـ.
ففي حرب العاشر من رمضان، وهو يوم الغفران (يوم كيبور) عند اليهود تعلم العالم درساً قاسياً حين استخدم العرب آنذاك سلاح النفط لأول مرة، لم يكونوا حينها يملكون أسلحة دمار شامل ولا طائرات حديثة، ولكنهم اكتشفوا أن بإمكانهم شل اقتصاد العالم بضربة واحدة عبر رفع الأسعار، وعبر حظر التصدير.
فكانت تلك أول مرة تشعر فيها الدول الغربية أنها ليست سيدة الموقف، وأن قوتها يمكن أن تنكسر أمام إرادة شعوب المنطقة، ولم تكن الأسلحة والصواريخ بالمستوى الذي يجعل العرب ينتصرون في المعركة، انما المعادلة كانت هي أنابيب النفط وخطوط الملاحة البحرية.
وكما قال الصحفي المصري المخضرم محمد حسنين هيكل: "السياسة في حرب أكتوبر خذلت السلاح ولا أقول خانته"، واليوم، بعد أكثر من خمسين عاماً، يتكرر المشهد ولكن بصورة أكثر حنكة، فالإيرانيون لم يحتاجوا إلى قنبلة ذرية لترويع العالم، ولم يحتاجوا إلى صواريخ عابرة للقارات، بل كل ما احتاجوه هو ممر مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة خمسين كيلومتر، وهو مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية وأكثر من ثلث شحنات الغاز الطبيعي المسال.
إنها لعبة جديدة تماماً، فلم تعد القوة هي امتلاك النفط الخام أو الغاز، بل في القدرة على منع عبوره، وهذا هو "سلاح هرمز"؛ لنتوقف هنا لحظة، ونتأمل كيف أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بأدوات مختلفة، قبل 797 عام، وتحديداً في (العاشر من رمضان) سنة 648هـ، كانت معركة المنصورة تشتعل في مصر، فقد جاء لويس التاسع ملك فرنسا على رأس حملة صليبية ضخمة يظن أنها ستعيد له (مدينة القدس)، فإذا بالمصريين يصدونه ويأسرونه في دار ابن لقمان، وكانت تلك المرة الأولى التي يشعر فيها الغرب الصليبي أن الشرق ليس ساحة صيد سهلة، ثم جاء ايضاً (العاشر من رمضان) سنة 1393هـ، ليكتب المصريون والسوريون ملحمة العبور، ليهزموا أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ويثبتوا أن (يوم الغفران عند اليهود) يمكن أن يتحول إلى يوم نكال وعذاب.
والآن، ها نحن نعيش (العاشر من رمضان) مجدداً في سنة 1447هـ الموافق 28 فبراير 2026م، حيث شنت أمريكا وإسرائيل حرباً على إيران، فقد أفادت الأنباء الواردة في 28 فبراير 2026م أن تل أبيب أطلقت على عمليتها اسم "زئير الأسد"، بينما أطلقت واشنطن عليها اسم "الغضب الملحمي". وذكرت وسائل إعلام عبرية في التاريخ نفسه أن الهدف الإسرائيلي كان "القضاء بشكل كامل على النظام الإيراني الإرهابي"، في حين أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن الضربات تركز على القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية. كما نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" في 28 فبراير 2026 مقطع فيديو يعلن فيه بدء العملية العسكرية الكبرى. ولكن يبدو أن القدر أراد أن يظل يوم العاشر من رمضان بداية للانتصارات، أو على الأقل شهراً للردود الموجعة.
ووجب أن نذكر بما قاله الصحفي المخضرم محمد حسنين هيكل منذ أكثر من عقد، قرأ المستقبل بعين البصيرة.
حيث قال في تحليله لأزمة المشروع الإيراني النووي: "إن ذلك يقودنا بالتداعي إلى أزمة عاجلة تحوم حول الخليج، وعواصفها الآن تتجمع وإن كان موعد هبوبها ينتظر، وأعني بذلك احتمال ما يمكن أن تصل إليه أزمة المشروع الإيراني النووي.
فهذا المشروع، وفي ظرف مدة قد لا تتجاوز آخر هذا العام، واصل إلى نقطته الحرجة على جسر أزمة. وهناك احتمالان لا ثالث لهما: إما أن يتمكن المشروع الإيراني من تحقيق وعده ويصل، وإما أن تستطيع إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية أن تنفذ وعيدها وتضرب. وفي الحالتين، نجاح الوعد أو تنفيذ الوعيد، فإن كل حالة منهما لها آثار ولها نتائج سياسية واستراتيجية".
ثم أضاف كلمته الشهيرة التي ظنها البعض مبالغاً فيها: "ويلفت النظر أن بعض القوى السياسية في الخليج الفارسي تبدو مطمئنة إلى أن ضربة الوعيد الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران سوف تكون (جراحة نظيفة) تنزع شوكة قد تكون مسمومة! وتلك مبالغة في التفاؤل جامحة، ذلك أن عواقب الضربة حتى وإن جرت جراحة بالمنظار سوف تنشأ عنها مضاعفات لا تكفيها مضادات حيوية نعرفها أو نبحث عنها".
مرت عليه ثلاث عشرة سنة، والمضاعفات التي حذر منها أصبحت اليوم واقعاً يراه الجميع، فها هي الضربة قد وقعت، وها هو "الوعيد" قد نُفذ، ولكن هل كانت جراحة نظيفة كما ظن المتفائلون؟ كلا، لقد كانت كارثة مضاعفاتها لم تنته بعد. فإيران لم تنتظر طويلاً، بل ردت فوراً، فوفقاً لوكالات الأنباء، أطلقت طهران على ردها اسم "الوعد الصادق 4"، واستهدفت به القواعد الأمريكية في قلب الخليج الفارسي وإسرائيل نفسها. وتشير تحليلات صدرت خلال مارس 2026م إلى أن العملية تطورت لأكثر من 100 موجة هجومية متتالية، ولم تقتصر على الأسلحة التقليدية، بل حوّلت أعياد اليهود إلى أيام رعب.
وهنا يأتي البعد الذي ربما غفل عنه الكثيرون، ذلك البعد النفسي والديني الذي تفهمه إيران جيداً، فلم تكن الهجمات الإيرانية في ربيع 2026م مجرد صواريخ تنفجر هنا وهناك، بل كانت رسالة مقروءة بعناية "نحن نعرف متى تفرحون، ونعرف متى تخافون، وسنفشل أعيادكم". لقد بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية في (العاشر من رمضان) 28 فبراير 2026م، وهو التاريخ الذي تزامن مع ليلة عيد المساخر اليهودي (بوريم)، كما أشارت تحليلات إسرائيلية صدرت في أواخر فبراير وأوائل مارس 2026م إلى أن إسرائيل اختارت عمداً بدء الحرب في ذكرى خلاص اليهود من هامان الفارسي، لكن النتيجة كانت عكسية.
ثم جاء عيد الفصح اليهودي (بيساخ)، ففي 31 مارس و1 و2 أبريل 2026م، كثفت إيران هجماتها. وفي هذا السياق، أفادت وكالة "يورونيوز" في تقرير لها بتاريخ 1 أبريل 2026م، نقلاً عن تقييمات عسكرية أولية، أن إيران أطلقت نحو 10 صواريخ باليستية باتجاه وسط إسرائيل، في أكبر رشقة منذ أسابيع [المصدر: يورونيوز، 1 أبريل 2026م]، وتزامن ذلك مع ليلة عيد الفصح، حيث نقلت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في 3 أبريل 2026م عن معلق عسكري قوله إن الهجوم كان كافياً "لإفساد أهم أمسيات العيد"، فقد أظهرت حركة المرور انخفاضاً ملحوظاً، وفضلت عشرات الآلاف من العائلات البقاء في الملاجئ.
وهنا لفت نظري تشابه مذهل، ربما لم ينتبه إليه الكثيرون: فبحسب المصدر نفسه [يورونيوز، 1 أبريل 2026م]، كان عدد الصواريخ "نحو 10"، لا أكثر ولا أقل. وفي التوراة، عندما رفض فرعون تحرير بني إسرائيل، أنزل الله عليه "عشر ضربات" كانت الضربة العاشرة والأخيرة هي "موت كل بِكر في أرض مصر". فهل هي مصادفة أن تطلق إيران 10 صواريخ بالضبط (أو نحو 10) في ليلة عيد الفصح التي تحتفل بالخلاص من فرعون؟ أم أنها رسالة مقصودة، مفادها "كما عاقب الله فرعون بعشر ضربات بحسب ما تعتقدون، ها نحن نعاقبكم بعشر ضربات صاروخية في الليلة ذاتها"؟ حتى الضربة العاشرة في التوراة كانت هي القاصمة، وفي هجمات إيران كانت ليلة 2 أبريل (التي تلت التقرير) هي الأشد والأعنف. إنه قلب للطقس اليهودي ضد نفسه، وتحويل رمز "الضربات العشر" من أداة عقاب إلهي لفرعون إلى أداة عقاب إيراني لـ "فرعون العصر".
وفي 18 مارس 2026م، ذكرت التقارير الإخبارية أن صواريخ إيرانية انشطارية تسببت في اندلاع حرائق ودمار كبير في محطة قطار "تل أبيب سافيدور" ومستودعات في حولون، وأكدت الأنباء مقتل شخصين على الأقل وإصابة آخرين في هجوم استهدف منطقة رمات غان القريبة من تل أبيب.
الكيان اللقيط الذي كان يعتقد أنه يحمي أعياده بجيشه وطائراته، فوجئ بأن أعياده نفسها أصبحت هدفاً، هذا هو جوهر الحرب النفسية، فلم تكتف إيران بتطوير صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، بل طورت فهماً عميقاً لنقاط الضعف الإسرائيلية، ولقد حولت الجغرافيا إلى سلاح، وحولت التقويم الديني لخصمها إلى ساحة معركة، وهذا ليس بعيداً عن استراتيجية "سلاح هرمز" التي نتحدث عنها.
ففي 1 مارس 2026م، أي بعد يوم واحد فقط من بدء الحرب، أفادت الأنباء الاقتصادية بأن إيران تمكنت من إغلاق مضيق هرمز فعلياً، مما أدى إلى احتجاز مئات الناقلات وخلق أزمة شحن عالمية، وبالمقابل ردت الولايات المتحدة بحصار بحري على الموانئ الإيرانية، كما وثقت تقارير بحرية صدرت خلال مارس 2026م أن إيران هاجمت ناقلات لم تمتثل لأوامرها واحتجزت سفناً أجنبية كورقة ضغط.
إنها حرب غير متكافئة بامتياز، حرب لا تحتاج فيها إلى أسطول بحري لمواجهة الأسطول الخامس، ولا إلى سلاح نووي لمواجهة ترسانة إسرائيل، كل ما تحتاجه هو فهم متى وأين تضرب، وبأقل تكلفة يتحقق أقصى تأثير.
بهذه البساطة العبقرية، حولت إيران الجغرافيا إلى سلاح، والتقويم الديني لخصمها إلى ساحة معركة نفسية، والقواعد الأمريكية في الخليج الفارسي إلى رهائن طيّعة.
وفي المقابل، أعلنت أمريكا "الغضب الملحمي" و"زئير الأسد"، فإذا بالغضب يتحول إلى حصار بحري يهز الاقتصاد العالمي، وإذا بالأسد يصطادوه في مياهٍ ضحلة لا يعرف قوانينها، فكلما شددت واشنطن في قبضتها على المضيق، شددت طهران إغلاقها واغرقتهم أكثر في هذا الوحل، فمعادلات الخليج الفارسي لا تحل إلا بحسابات يقبلها أسياد هذه المنطقة الحقيقيون.
ومن هنا سأقف وأراقب بينما تتصاعد الأحداث وتتغير التحالفات، وأتوقف لأهمس في أذن الحقيقة أن هذا التحليل ليس مجرد رصد لما جرى، بل هو محاولة لقراءة ما سيأتي.
فـ (العاشر من رمضان) كان نصراً في المنصورة في مصر، وكان نصراً في العبور، وكان (العاشر من رمضان) بدايةً لحرب لم تنتهِ بعد، ومن يدري؟ لعل (العاشر من رمضان) القادم يحمل لنا مفاجأة أخرى، أو لعل التاريخ يعيد نفسه بطريقة لا تخطر على بال أحد.
وما تبقى بعد كل هذا الصخب هو يقين واحد، تعلمته من كل هذا الضجيج أن "هرمز هو شريان الجميع" ومن يمسكه يمسك بالعالم من خاصرته الاقتصادية، وإيران أدركت هذه الحقيقة قبل غيرها، وأما الغرب، فلا يزال يعتقد أن النووي هو أقصى درجات التهديد، متناسياً أن في هذه المنطقة، الجغرافيا أقوى من الطائرات، والتاريخ أقوى من الصواريخ، والأعياد والتقويمات الدينية هي ساحة المعركة الحقيقية.
الكاتب: السيد عباس شُبَّرْ
.....................
انتهى / 323
تعليقك